في الوقت الذي يضيق فيه الكثيرون من الصيف وشمسه القائظة، هناك من يصفّقون لهذا الحر الشديد، وأنا أحدهم؛ إذ أكاد أطير فرحًا بقدومه لمزياه الصحية، فهو يعني وقايةً من نوبات الألم. فمع بداية كل شتاء نضع جميعًا – آباءً وأمهات – أيدينا على قلوبنا خشية تعرّض أطفالنا للتيارات الباردة التي تشكّل هاجسًا يهدد الصحة العامة وخطورةً بالغةً لمرضى الأنيميا المنجلية، وندعو الله أن يأتي هواؤه البارد دفئًا وسلامًا على أحبّائنا الصغار، وأن يمنّ عليهم بالصحة والعافية. فعلى الرغم من كل التدابير الوقائية من وسائل الحماية المعروفة لدينا لتفادي التعرض للتيارات الباردة، كارتداء الملابس الثقيلة الداكنة، وغطاء الرأس أو القبعات، والجوارب والقفازات الصوفية، إلا أن لسعات البرد قد تخترق الأجسام وتلحق ضررًا ومتاعب بصحة فلذات الأكباد. وفي مثل هذه الأجواء يجب الإكثار من المشروبات الساخنة والكمادات الدافئة؛ فأخطار الإصابة بنوبات الأنيميا المنجلية تزداد في الأجواء الباردة.
تعتمد الصحة بشكل رئيسي على نقاوة الدم، والدم يحتاج إلى الأوكسجين والغذاء اللازمين للحياة. وتظهر أعراض النوبات الحادة عند نقصان الأوكسجين في خلايا الدم الحمراء؛ إذ تنثني الخلايا في هذه الحالة وتتخذ شكل الهلال أو المنجل، وتتراكم وتشتبك مع بعضها البعض، مما يعيق دوران الدم وتدفقه الطبيعي داخل الأوعية الدموية، لدرجة أن الخلايا لا تُروى بالدم، ويتعرض المصاب لنوبات حادة من الألم ناتجة عن انسداد في مجاري هذه الأوعية. فيشعر المريض بألم حاد في الصدر، وصعوبة في التنفس، وسرعة الإجهاد، وشحوب وضعف عام، مصحوب بنوبات ألم شديد في البطن والمفاصل. كما يؤدي نقص دخول الأوكسجين إلى خلايا الدم – في الوقت الذي تكون فيه أنسجة الجسم بأمسّ الحاجة إلى كميات أكبر منه للقيام بدورها الحيوي – إلى تحوّل خلايا الدم الحمراء إلى خلايا جامدة ولزجة بالشكل المنجلي. وهذه الخلايا غير منتظمة الشكل تعرقل دوران الدم وتمنع تدفقه بصورة طبيعية، فينقطع إمداد أنسجة الجسم المختلفة بالأوكسجين نهائيًا ولا تُروى بالدم. فماذا نتوقع أن يحدث؟ غالبًا ما تنتهي حياة المصابين إلى الموت… شباب قضوا أعمارهم، وتوقفت آمالهم، ودُفنت كفاءاتهم، وتعلّقت نظرتهم للحياة.
لابد لكل مصاب بهذا الاعتلال أن يبادر من اليوم بتغيير نمط حياته، لكي يعيش حياة طبيعية مع هذا الموروث دون تحميل الجسم عواقب وخيمة ونوبات ألم شديدة. إن الأشخاص المصابين بالأنيميا المنجلية يمكنهم أن يحيو حياة طبيعية، غير أنه تظهر عليهم أعراض هذا الاعتلال عندما يتعرضون إلى نقص في كميات الأوكسجين في أماكن تفتقر للتهوية الجيدة، حيث إنهم يتعبون بسرعة، ويكون تنفّسهم صعبًا عند القيام بمجهود كبير. لذا يجب على الأفراد الذين يعانون من هذا الاعتلال تفادي الأماكن المزدحمة سيئة التهوية، ورحلات الجبال، والغطس تحت الماء، والحمامات المغلقة التي يتجمع فيها بخار الماء، وتجنّب ممارسة الأنشطة البدنية العنيفة. فالقليل من العمل والأنشطة المناسبة يعتبر كافيًا لصحة الجسد، إذ إن النشاط المفرط قد يؤدي إلى حدوث مفاجئ لنوبة حادة، خاصة في الأجواء الباردة والرطبة… وللحديث بقية.



